علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )

340

نسمات الأسحار

بغير أذن ولا مقلة ولا لسان ولا جارحة ، ليس كمثله شئ وهو السميع البصير ، لا تدركه الأبصار في الدنيا ، فلا عين تراه ، إلا المصطفى صلى اللّه عليه وسلم فإنه رآه بعين رأسه على الأرجح المختار ليلة الإسراء بغير كيف ولا جهة ، فإنه سبحانه وتعالى لا تحويه الجهات ، ولا يخلو منه مكان ، ولا يحل في مكان ، فلا تعطل ولا تجسم ، بل وحد وسلم مريد منشئ حىّ باق قديم ، هو الأول والآخر والظاهر والباطن ، القرآن كلامه أنزله على نبيه بواسطة جبريل عليهما السلام ، يرى في الجنة لقوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [ القيامة : 22 ، 23 ] وهكذا يعلمهم جميع ما يتعلق بأمور الدين أصلا وفرعا ، وإلا كان غاشا . ومن آداب الواعظ : أن يكون دينا تقيا متقشفا متزهدا عليه السكينة والوقار متأجشا « 1 » ، متأدبا في إلقاء الكلام ، مفهما من لم يفهم عنه ، لا يتعمق في العبارة بغريب اللغة ، يكرر ما يحتاج إلى تكراره ويراجع جلساءه ويقول : من لم يفهم عبارتى فليراجعنى ، فإني لست بجبار ولا متكبر إن شاء اللّه ، وإنما أنا رجل منكم فقد شاهدت ذلك من نفسي ، فقد كان يحضر المجلس جماعة في أنفسهم مسائل لا يطيقون السؤال لما يرون من الجلسة الفرعونية ، والهيئة القارونية ، والثياب الجميلة ، والعمامة الثقيلة ، والشدّ الصقيل ، والعجب الجليل ، فيخرجون خائبين مما طلبوا ، يلبس عليهم الشيطان إذا أرادوا أن يسألوه عن حديث لم يفهموه ، وحكم لم يحكموه ، ويقول لهم : عيب لا تسألوه وفضيحة وإن سألتم عجلوا ، فأسرد ما رتبته من المجلس سردا ، وأعد المسائل الفقهية عدا ، وما علىّ أفهموا أم لم يفهموا ، ولا أبالي بهم علموا أو لم يعلموا ، وأخلط عليهم الفقه بمسائل النحو والغرائب اللغوية والتصريفية هذا ولا يحضرني عالم يفهم ما أقول ، واستخف العوام فأصول في الكلام وأجول ، والحامل لي على هذا الاقتداء بمن هو أعلم منى ليحصل لي من الجاه ما حصل له ، وينشر لي من الصيت ما انتشر له ، وأعتقد أنى من المعلمين الأعلام ، والويل لي إن لم يغفر لي العليم العلام ، اللهم تب علينا توبة صادقة ناصحة ، ومنّ علينا وعلى مشايخنا بالعفو والمسامحة ، يا ويلتي : أين أنا من الرؤوف الشفوق ، والرسول الصدوق صلى اللّه عليه وسلم كما قال ابن عباس

--> ( 1 ) من رباطة الجأش عند الوعظ والخطابة .